Skip Navigation Links11-12-1437-2
الخميس 09 رمضان 1439 / 24 مايو 2018
E

مقالات

 في رحاب الحرمين.. خواطر حاج صومالي (2-2)

11/12/1437
مقالات
X
 
الحروف المتبقية
Captcha
إلغاء

 

استغرقت رحلتنا البرية إلى المدينة المنورة عدة ساعات، وكان حظ ضيوف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز جميلا؛ لأن الرحلة بدأت صباحا وكان ذلك فرصة لمشاهدة الجبال على جانبي الطريق إضافة إلى القرى الصغيرة، وما أن بدأت الحافلة بالتحرك حتى دخلت في استرجاع ذكريات الأمكنة عبر الأزمان السحيقة. بدأت هذه الذكريات تسيطر عليّ منذ أن وصلت مكة المكرمة. وكانت علامات الطريق كافية لبعث هذه الذكريات إلى حد التزاحم.

قبل قليل تركت ورائي المكان الذي وصفه النبي إبراهيم - عليه الصلاة والسلام- بواد غير ذي زرع، حيث ترك أهله هناك، لكنه لم ينس أن يدعو ربه وهو مغادر: {ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} وقد تحقق هذا الدعاء النبوي عبر آلاف السنين، ولا يزال متحققا حتى اليوم حيث الملايين تتوجه إلى البيت العتيق في صلواتها ودعواتها، كما يتمنى ملايين آخرون أن يحظوا بجوار هذا المكان ولو لمرة واحدة في حياتهم.

تركت ورائي البيت العتيق، الذي رفع إبراهيم قواعده والذين أتوا من بعده، تركت ورائي الصفا والمروة التي سعت فيها زوجة إبراهيم التي أنهكها الظمأ والقلق على حياتها وابنها، صعدت هنا وهبطت هناك هائمة بين الخوف والرجاء إلى أن عادت وهي لاهثة إلى ابنها وقد تفجر ينبوع عند قدميه، فسكن قلبها ثم جاءت الطيور والبشر وبدأت حياة جديدة في الوادي.

تلفتّ حولي وأنا أسعى بين الجبلين ورأيت هذا البحر الهائج من الحجاج الذين يقتفون أثر هذه المرأة العظمية، ويحيون ذكراها بعد أن كرمها الإسلام وجعلها في صلب هذا الركن الأساس من أركان الإسلام ودعوت المولى أن ينزل السكينة في قلبي وفي قلوبهم وأن يفجر لكل واحد منهم ينبوعا يماثل ينبوع زمزم لزوجة إبراهيم وابنها. اللهم آمين.

في ذلك الوقت كان النبي إبراهيم يخوض معركة الثقة بالله مع الشيطان الذي ظهر له وإبراهيم في طريقه إلى حيث أمره الله وذكره الشيطان بولده وزوجته اللذين تركهما في الوادي، ورماه إبراهيم بالسلاح الوحيد الذي كان يملكه وهي الحصا والتعوذ بالله من غواية هذا المخلوق الملعون. وفي وقفة عرفات شعرت بصدى كلمات الرسول الكريم ونصائحه الأخيرة للمؤمنين وهو يذكرهم بأن لا فضل لعربي على عجمي والعكس إلا بالتقوي وليبلغ الشاهد منكم الغائب!

كل هذه الذكريات كانت تسيطر عليَّ وأنا أتنقل بين أعمال الحج، وها أنا اليوم أتركها لأدخل في ذكريات أخرى ستظل تلازمني في الطريق إلى المدينة المنورة مع كل جبل، وعطفة، وحجر، ونخلة، وبيت. وكان برفقتي في الرحلة جماعتان إحداهما زملائي من ضيوف خادم الحرمين الشريفين الذين وفدوا من ستين دولة حول العالم، والثانية محبو الرسول الكريم من المداحين الذين يرجع الفضل إليهم في حفظي لشمائل الرسول الكريم وتاريخه ومآثره حتى قبل أن أعرف مؤلفات السيرة والتاريخ.

كان حديث الرفقاء إلى بعضهم البعض يخف كلما اقتربنا من المدينة المنورة، وغشيتنا لحظات طويلة من الصمت والتأملات والجميع كان يستعد للوصول إلى المدينة المقدسة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام -.
مررنا بأماكن كثيرة ارتبطت بالرسول الكريم، وبصحابته من بعده، والتابعين، وعندما وصلنا الحرم النبوي رُفع أذان صلاة العصر، وتخيلت وكأنني أسمع آذان بلال، والصحابة الكرام يتوافدون إلى المسجد من الحقول والأسواق القريبة لأداء الصلادة خلف الرسول الكريم. أكاد أسمع صدى أصواتهم وهم يتبادلون السلام.

هنا مر أبو بكر وعمر وعلي وعثمان، وهنا وقف أبو عبيدة وهو يربط ناقته للحاق بالصلاة، وهنا جلست عائشة وهي تغسل ثياب الرسول وتحدث الناس في أمر دينهم، نعالهم مرمية هنا وهناك، وفؤوسهم ورماحهم ملقاة هنا أيضا، أشم رائحة عرقهم وهم يعملون في حقولهم أو يبتغون فضل الله في البيع والشراء.

هنا جلست وفود الملوك والقبائل وأصحاب الأديان المختلفة لمقابلة الرسول الكريم، وبحثت عن المكان الذي بال فيه الأعرابي ومنع الرسول أصحابه من إيذائه وأمرهم بأن يصبوا على المكان ذنوبا من ماء ويفهمه بأن المساجد بنيت للصلاة وليس لقضاء الحاجة!

بحثت عن مجالس أصحاب الصفة وأبي هريرة وأبي ذر الغفاري، أجري أيضا وراء سبطي الرسول الحسن والحسين وهما يداعبانه ويملآن المكان فرحا وحبورا، أبحث عن فاطمة الزهراء، لكي أنظر إلى يديها المتعبتين من تدوير الرحى، بحثت عن كل شخص وكل مكان أسعفتني به الذاكرة.

أتممنا زيارة المسجد النبوي، وزيارة المصطفى – صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه – رضي الله عنهما - والبقيع، وسافر ضيوف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، كل إلى بلده والجميع يمني النفس بالعودة إلى رحاب الحرمين مرة أخرى إذا أمد الله في الأعمار. 

علي حلني: كاتب وصحفي صومالي
رئيس نقابة الصحفيين الصوماليين